أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
427
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وشذ كسره ، ومحبوب أكثر من محبّ أكثر من حابّ ، وقد جمع الحبّ لاختلاف أنواعه ، وقال : 804 - ثلاثة أحباب فحبّ علاقة * وحبّ تملّاق وحبّ هو القتل « 1 » والحبّ مصدر مضاف لمنصوبه ، والفاعل محذوف تقديره : كحبهم اللّه ، أو كحبّ المؤمنين اللّه بمعنى أنهم سووا بين الحبين : حب الأنداد ، وحب اللّه . وقال ابن عطية : « حبّ » مصدر مضاف للمفعول في اللفظ : وهو في التقدير مضاف للفاعل المضمر ، تقديره : كحبكم اللّه ، أو كحبهم اللّه ، حسب ما قدر كل وجه منها فرقة انتهى . وقوله للفاعل المضمر ، يريد أن ذلك الفاعل من جنس الضمائر ، وهو : « كم » أو « هم » أو يكون يسمى الحذف إضمارا وهو اصطلاح شائع ، ولا يريد أن الفاعل مضمر في المصدر كما يضمر في الأفعال ، لأن هذا قول ضعيف لبعضهم ، مردود بأن المصدر اسم جنس ، واسم الجنس لا يضمر فيه لجموده . وقال الزمخشري : كحب اللّه : كتعظيم اللّه ، والخضوع له أي : كما يحب اللّه على أنه مصدر مبني من مفعول ، وإنما استغنى عن ذكر من يحبه لأنه غير ملتبس انتهى . أما جعله المصدر من المبني للمفعول ، فهو أحد الأقوال الثلاثة : أعني الجواز مطلقا . والثاني : المنع مطلقا وهو الصحيح . والثالث : التفصيل بين الأفعال التي لم تستعمل إلا مبنية للمفعول ، فيجوز نحو : عجبت من جنون زيد بالعلم ، ومنه الآية الكريمة ، فإن الغالب في « حبّ » أن يبني للمفعول وبين غيرها فلا يجوز ، واستدل من أجازه مطلقا بقول عائشة : « نهى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن قتل الأبتر وذو الطفيتين » « 2 » برفع « ذو » عطفا على محل « الأبتر » لأنه مفعول لم يسم فاعله ، تقدير أي : أن يقتل الأبتر ، ولتقرير هذه الأقوال موضع غير هذا . وقد رد الزجاج تقدير من قدر فاعل المصدر المؤمنين أو ضميرهم ، وقال : « ليس بشيء » والدليل على نقضه قوله بعد : « والذين آمنوا أشد حبا للّه » ورجح أن يكون فاعل المصدر ضمير المتخذين أي : يحبون الأصنام كما يحبون اللّه ، لأنهم أشركوها مع اللّه - تعالى - فسووا بين اللّه ، وبين أوثانهم في المحبة ، وهذا الذي قاله الزجاج من الدليل واضح ، لأن التسوية بين محبة الكفار لأوثانهم ، وبين محبة المؤمنين للّه ينافي قوله : « والذين آمنوا أشد حبا للّه » فإن فيه نفي المساواة وقال أبو رجاء : « يحبّونهم » من « حبّ » ثلاثيا و « أحبّ » أكثر وفي المثل : « من حبّ طبّ » « 3 » . . . . قوله : أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ المفضل عليه محذوف ، وهم المتخذون الأنداد ، أي : أشدّ حبا للّه من المتخذين الأنداد لأوثانهم . وقال أبو البقاء : « ما يتعلّق به « أشدّ » محذوف تقديره : « أشدّ حبا للّه من حبّ هؤلاء للأنداد » والمعنى : أنّ المؤمنين يحبّون اللّه أكثر من محبّة هؤلاء أوثانهم . ويحتمل أن يكون المعنى أنّ المؤمنين يحبّون اللّه تعالى أكثر ممّا يحبّه هؤلاء المتّخذون ؛ لأنهم لم يشركوا معه غيره . وأتى بأشدّ متوصّلا بها إلى أفعل التفضيل من مادة الحب لأن « حبّ » مبنيّ للمفعول . والمبنيّ للمفعول لا يتعجّب منه ولا يبنى منه أفعل للتفضيل ، فلذلك أتى بما يجوز ذلك فيه . فأمّا قولهم : « ما أحبّه إليّ » فشاذّ على خلاف في ذلك بين النحويين . و « حبا » تمييز منقول من المبتدأ تقديره : حبّهم للّه أشدّ .
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 456 ) . ( 2 ) اخرجه البخاري بلفظ « اقتلوا ذا الطفيتين والأبتر » وسيأتي . ( 3 ) قالوا معناه من أحبّ فطن واحتال لمن يحب والصلّبّ : الحذق انظر مجمع الأمثال ( 3 / 315 ) ، ( 1 / 402 ) .